"حرف ينطق"
بقلم مليكة براهمي
أحيانا لا ندرك الاشياء إلا بعد فوات الأوان تأخذنا ملذات ومشاغل الحياة ويسكن عقولنا ذلك المرض الخبيث الذي يسري فلا نعرف حقيقته إلا بعد أن ينهش بنات أفكارنا فيحول الطموح الى خراب والأمل الى ألم وحب الكلمة الى فراق عنها ربما تبدأ أولى خطواته صحيحة ثم يحيد عن المسار الصحيح...فنجد أنفسنا نعانق أسوء النهايات حينها سندرك مقولة
" لا ينفع العقار في ما أفسده الدهر"
وعلينا ان نعطي كل ذي حق حقه ..وان نعبر الطريق بكل ثبات..نجد وقت الجد ونمرح وقت المرح ....ثم علينا ان نعطي قيمة للعلم.
العلم الذي أضحى في عداد الموتى. العلم الذي سمي بالنور لأنه يشفي الأعمى ليبصر. ويأخذ بيدك لينير طريق حياتك حتى تصافح في كل مرة النجاح ...ذلك النجاح الذي يجعلك مميزا ومتميزا ويحقق لك كل الأحلام ..فيجعل منك عالما أو مفكرا أو فيلسوفا ...يجعل منك طبيبا أو مهندسا أو كاتبا كبيرا....العلم نور ..فلا تتعجل أيها الصغير واطرد عنك شبح الغلط وانزع رداء الظلام وقف محترما للمعلم ولا تتقاعس وكن كما قال أحمد شوقي " قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا ..." واعلم ان الطريق طويلة وشائكة ولن يصل بسلام إلا من تعلم وأنار فكره وصقل ذاته ..
ذات يوم وكعادتي أمر يوميا الى المكتبة العمومية اجلس بمكان وحيد حين أدخل أشعر بالراحة فأنزع عني رداء مشاغل الحياة وانزوي مع كتاب اغوص في أحداثه وأحيانا أسافر الى حيث ذلك العالم فلا أشعر بما حولي إلا حين أكمل تلك القصة أو ذلك الكتاب ..وذات يوم مررت من ذات الطريق فهالني ما رأيت ..وجرح كياني مجموعة من الاطفال يمزقون كتبا ويسخرون تتعالى ضحكاتهم وفيهم من يمسك سيجارة رغم صغر سنه ..حينها أحسست بتلك الحروف تتألم وتبكي
احسست بتلك الكلمات تتأوه من الوجع وهي بين ركل وضرب وخيل لي للحظات ان الكلمات تستغيث طالبة المساعدة وإنقاذها من جبروت ذلك الجاهل الذي لا يدرك قيمة تلك الكتب ولا علم له برقي تلك المعاني التي تعلمنا وتفتح لنا أبواب المعرفة ...جمل تأخذك في سفر طويل لزيارة بلدان عدة و مصافحة عاداتها وتقاليدها وأنت قابع في مكانك ..نص يجعلك تأخذ نفسا عميقا من ثراء معانيه وجمالية بنيته ..كيف لهم أن يفعلوا مافعلوه !؟..أليس الكتاب صديقنا وجليسنا ومواسينا !؟..أليس من يعلمنا ويخرجنا من الظلمات الى النور .!؟.اقتربت منهم وفي نفسي تكمن الأحزان وخاطبتهم في دهشة "مالذي تفعلونه!؟لما كل هذا الحقد للكتب!؟مالذي فعلته حتى تلقى منكم كل هذا الغل والتفشي !؟ ألا تعلمون ان خير جليس في الحياة كتاب..ألا تدركون قيمة كل كلمة!؟ أوليس بالكتاب درسنا ونجحنا ..!؟ أولم نكن أطفالا صغارا نجهل الكلام والقراءة!؟ ألم يعلمنا معلم وأخذ بيدنا مع كتاب حتى صرنا على مانحن عليه. ,!؟ الم تمرض وذهبت إلى طبيب وشفيت!؟ أوليس الطبيب درس وتعلم سنة بعد سنة!؟ أولم تتعلم على أيادي معلمين !؟ أوليس من كتبها مثقف أراد لنا التعلم والبلاغة ..!؟ فكيف تفعلون هذا!؟ مالذي جنته هاته الكتب !؟ حينها تكلم أحدهم وياليته ظل صامتا وقال "هذا ردا منا على كلام معلم أساء إلينا ونعتنا بالجاهلين ..!؟ ثم أردف أحدهم " فمن يكون هو حتى يسخر منا ويجعلنا ضحكة أمام الآخرين!؟ومازلت في حيرة وصدمة مما أسمع حتى تكلم ثالثهم وقال" وماتسواه هذه الكتب ..بعض المليمات خسارة ..!؟ وأنا أسمع ما أسمع وأشعر كأنني في دوار ثم يقترب مني رابعهم وأنا يكاد يغمى عليا فحتى ملامحه بالكاد أراها وسمعت صوت ضحك ثم صوته ليقول" دع عنك ما أنت فيه ياهذا واتركنا في حالنا وان شئت انحني وأنقذ ماتبقى!؟" ثم علت ضحكاتهم وابتعدوا عن ذلك المكان وصوت قهقهاتهم يزعج أذني ورغم كل ماحل بي ..هويت على ركبي وبدأت أجمع تلك الكتب الممزقة وأبحث عن صفحات كل واحد ..واحيانا يأتي نسيم عليل ويمضي ويأخذ معه ورقة أو إثنتين فأشعر بقلبي يكاد يغادر مكانه عساه يلحق بها ويرجعها... فأمد يدي محاولا امساكها فلا أستطيع وكأنها تخاطبني قائلة "لم يعد لنا مكان هنا"ثم يخيل لي أنني أسمع صوتا يكلمني في البداية انظر يمنة ويسرة فلا أجد شيئا أعود لأجمع تلك الكتب المسكينة فيتكرر الصوت مرة أخرى ..وحين انتبهت رأيت بعض الحروف تسير في بطىء وتمشي في انعراج ..مرت بالقرب مني حينها علمت انها من تكلمني اقترب مني حرف الالف وقال" كنت أظن أنني سيدا في مملكتي فإذ بي أضرب وأهان وأنا الذي كنت دائما ركيزة لكل الكلام" ..ثم اقترب مني حرف الباء في البداية لم أعرفه وحين تكلم عقلته وقال كنت باء في كل حين تجدني، في باب مفتوح وفي كتاب مدروس ينادي طفل' أبي' فأكون أسعد الحروف "...نظرت الى البعيد القريب فرأيت مجموعة حروف يغادرون وهم في أسوء حال ناديتهم بصوت عال في البداية هم لا يسمعون ثم بعد نداء ونداء التفت حرف الراء حزينا وقال "لم يعد لنا هنا مكان " وأنا بين هذا وذاك وقف نص غير مشكول وقال لي"اقرأني إن كنت عليم " نظرت ثم بدأت في القراءة فإذ بي أخطء وأنا العاشق للكلمات .فلا سكون ولا ضمة ولا فتحة وحتى الكسرة غادرت نصها واقتربت مني وقالت"أنا التي أكسر ما يجب كسره وجدت نفسي المكسورة لا الكاسرة" .
جمعت ما أمكنني والحزن يلبس نفسي وحين هممت بالوقوف رأيت كتابا يقف ويقول" كنت دائما الصديق والرفيق يحملني قارئي فيتعلم، يبحر بين أسطري فيتغذى عقله وترتوي روحه واليوم ماذا !؟ نحن بلا قيمة" يومها حزنت وبقيت جالسا لا أقوى على الوقوف....ثم مر بالقرب منا هاتف شامخ يرفع رأسه الى السماء يمشي في تكبر ..وقف نظر لنا وابتسامة استهزاء تعلو شاشته لم يطل الوقوف وقبل المغادرة قال لي بصوت فيه غرور "اسمع يا هذا لا تتعب نفسك فلم يعد للكتاب اهمية فأنا سيد الساحة اينما التفت تجدني موجودا بين أنامل الصغير والكبير فلا تتعب نفسك"
قال ذلك ومضى في حال سبيله وما إن ابتعد حتى سمعت صوت انكسار ...ألقيت بنظرة فإذ بي أشاهد الهاتف مرميا على الأرض مهشما لا حراك له شضاياه متناثرة في كل مكان ..يبدو انه تعثر وسقط وانكسر وودع الحياة ...فأين شموخك وتكبرك!؟ أين جبروتك وتسلطك!؟ هكذا حال المفسدين ولن يدوم الا صاحب الحق ...أتيت هنا كذلك المغتصب الذي أخذ أرضا بالقوة ..مغتصب احتل أرضا ومغتصب مثلك احتل فكرا ...ثم عدت من جديد لأجمع ماتبقى وأنا بين هذا وذلك تأتيني جملة من بعيد تمشي والنور يغلبها اقتربت وقالت " أنا رسول انا هداية أنا قول لرب العالمين لن أنحني أبدا " ثم أردفت " بسم الله الرحمان الرحيم :اقرأ باسم ربك.." ثم اقترب مني بيت شعري وغرد لي بنغمات " اذا الشعب يوما اراد الحياة....فلا بد ان يستجيب القدر..ولا بد لليل ان ينجلي ...ولا بد للقيد ان ينكسر" .حينها وقفت مجددا وكلي أملا في أن أعيد طباعة الكتاب نظرت من حولي فلم أشاهد شيئا وعرفت انني كنت في رحلة مع نفسي ربما هول ذلك المشهد أثر فيا حتى حاورت الحرف والجمل...في تلك اللحظات أدركت انه مهما عصفت بنا رياح التطور وغصنا بين لعبة بهاتف و صورا واغاني ومهما تلاعبت بنا تقنيات حديثة تبعدك عن الأصل وتشغل بالك وتنسيك كل مصالحك ...ومهما لوثت تلك التقنيات عقول الضعفاء منا وكان استعماله في غير محله .سنعود يوما للكلمة والحروف..سنعود لنحضن كتابا يسامرنا ليلا فالأصل أصل والذهب لا يصدأ مهما عصفت به السنين والالماس بظل يبرق مهما أخفيت بريقه.
فلا تجزع أيها الشاعر حين تغيب القوافي ولا تكترث أيها الكاتب حين تغادر بعض الكلمات ولا تنزعج أيها المثقف حين يقل الاهتمام فلابد للنور ان ينتصر.
وأنت يا من علمتنا كيف نمسك قلما ونقرأ حرفا وننسج نصا لا تقلق فأنت سيد رغم أنف الجميع وستظل كما قيل دائما وأبدا رسولا...وقفت من جديد وكلام تلك الجمل والنص يحفزانني. جمعت كل تلك الأوراق المبعثرة وحاولت جمعها كل على حدى ومضيت في طريقي لأواصل شغفي وعشقي وأنا كلي اصرار.
وبعد ايام عاد الكتاب من جديد شامخا كعادته حينها خيل لي اني أرى مجموعة من الحروف تقترب مني وكل حرف يحمل كتاب.
النهاية
أم العرائس -تونس
في 14/06/2023
بقلم :مليكة براهمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق