يتبع "حكايتي" الجزء(3)
بقلم مليكة براهمي
.....ثم واصلت قائلة"رغم أن ظروفنا كانت متوسطة أو أقل من ذلك ورغم بساطة معيشتنا إلا أننا كنا سعداء .ربما تقسو الظروف أحيانا وتتعب حينا آخر ولكن كنا دائما نمضي مبتسمين ...نشقى ليوم كامل نلعب ونجري وأحيانا نسرق حبات برتقال من شجرة جارنا ونركض مسرعين وضحكاتنا تكاد تخنق أنفاسنا ..وحين نقترب من منزلنا يخبرنا أخي ألا نقول شيئا نضحك وندخل ..تسألنا أمنا عن سبب الضحك فنضحك مرة أخرى ..كانت أياما رائعة ندور بالكانون وأمي تعجن الطحين لتحضر لنا الخبز وياله من خبز لذيذ كنا ننتظر بفارغ الصبر خاصة وأن الجوع أخذ منا ..وبعد العشاء نتحلق حول ذلك الكانون نتسامر ونتجاذب أطراف الحديث كل منا يحكي حكاية ثم تبدأ أمي في طرح الأحجيات ونتسارع لإيجاد الحل وأحيانا نضحك حين يخبرنا أخانا الأصغر بحل مضحك وحين نعجز تقول لنا أمنا "لن اقولها لكم ستبقى هكذا تنهش اجسادكم هاته الليلة .." ونظل نضحك وأخي يقلد لنا دور الدودة التي ستسري في أجسادنا....
كانت دائما تحكي لي عن ماضيها وعن عائلتها وعن أمها التي فقدتها صغيرة فتارة أشاهد دمعة تنزل من عينيها وتارة أخرى أشاهد ابتسامة على محياها ..فما أجمل ما كانت تحدثني به ..وما أحلى الايام التي تمر سريعا ..وما أجمل لمة العائلة فبالرغم من قساوة الظروف إلا ان السعادة موجودة ..ذلك الحب الذي يجمعنا في بيت واحد وغرفة واحدة ..أيام حلوة بمرها تمضي وحين نتذكر نتمنى عودتها..." ثم سكتت قليلا وكأنها ترتاح أو ربما خيل لي أنها تعود الى ذلك الزمن الجميل لتمتع نفسها بأحداث مضت....
ثم واصلت حكايتها"كنا كالعصافير في عش متين كانت أمي سيدة في كل شيء وكان أبي أحن أب رأيته ..كنا عشرة اخوة علمتنا أمنا أن الحب عمود كل بيت وأن التفاهم سيد المواقف وأن الإحترام أساس الحياة...كانت أمي أجمل أم انجبتنا وأحسنت تربيتنا ..ورغم تعبها كانت سعيدة بخدمتها لنا ..كنت الأقرب إليها معها في كل مكان وزمان ..كانت أمي تخبرني بكل أسرارها ولازلت أحفظ جملتها الشهيرة لي 'ابنة امك ' كنت أحب هاته العبارة كثيرا ..كانت تزيدني غرورا ...
كنا ندرس بالمدرسة الأقرب الى بيتنا في الحقيقة لم تكن المدرسة تستهويني كثيرا فجل ما أفكر فيه اللعب والبقاء مع أمي وحين وصلت السنة السادسة انقطعت عن الدراسة ...في ذلك الوقت كنت سعيدة جدا لأنني لن أذهب الى المدرسة ولن أحرم من كل شيء الى ان تنتهي الامتحانات ..سوف لن أشعر بالبرد داخل الفصل ....كان يخيل لي أنني ارتحت وفارقت جحيم الدراسة ولكن سوف لن تعرفي اهمية الدراسة والمدرسة إلا بعد فوات الاوان وقتها تدرك ان التعليم نعمة وان العلم نور وان لا مستقبل دون تعليم وان الأمم والشعوب تبنى بالفكر والعلم فمابالك بالنفس فهي تصقل بالمعرفة والتعلم ...فلا خير في امة تراجع فيها العلم فمالعلم إلا نور ....
نعم كان يخيل لي أنني قد ارتحت وانني سأساعد امي وسأبقى بجانبها من فرط حبي لها خاصة بعد زواج أختى ...
كنت سعيدة ببقائي بجانب أمي رغم أن شيئا خفيا كان يلدغني...-
ودعت مدرستي وأنا لا افقه قيمة الحرف فيها فالعلم نور وشتان بين مثقف يمضي في الحياة بعلم وبين فاشل يقبع في مكانه بجهل ..
نعم ودعت مدرستي ومنذ تلك اللحظة لم أفارق امي .كنا صديقتين
نمضي طول النهار سوية أساعدها في كل شيء خاصة بعد زواج أخواتي..كنت يد أمي لا تفعل شيئا الا بمشورتي ..نمضي كل الوقت مع بعضنا ..أحمل معها كل هموم الدنيا ..كبرت قبل أواني..ربما أحيانا أحب ترك كل شيئ والمضي نحو اللعب أو ربما أحيانا احن الى مدرستي ولكن حبي لأمي كان يقويني...
وهكذا ركبت قطار المسؤولية ..فأصبحت صديقة لأمي وأختا لأبي وأما لإخوتي....
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق